البعثة في نهج البلاغة



البعثة في نهج البلاغة(*)

 

البعثة في نهج البلاغة(*)

 

لا إخال أنّ الباحث الذي يحاول تقصّي حقائق التاريخ الإسلامي وحقائق التاريخ العربي، هو في غنى عن الرجوع إلى القرآن الكريم أو الحديث النبوي أو كتاب (نهج البلاغة)؛ الكتاب الذي ضمّ بين دفّتيه كلام الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).

ذلك أن هذه المصادر الثلاثة أولى الوثائق التاريخية للأمّة العربية والحضارة الإسلامية وأقدمها على الإطلاق.

والأخير منها ـ أعني (نهج البلاغة) ـ قد يكون أحفلها وأوسعها استعراضاً لتاريخ البعثة الشريفة.

ومن هنا ولسببين آخَرين اخترت الحديث عن (البعثة في نهج البلاغة).

والسببان الآخران هما:

  1. رغبتي في أن أُضيف حلقة ثانية في دراساتي عن (نهج البلاغة) إلى الحلقة الأولى التي درست فيها (الأمثال في نهج البلاغة)([1])، آملاً أن أوفَّق لوصولها بحلقات أُخر.
  2. أن الإمام كان صنو النبي (ص)، وقرينه منذ نعومة أظفار الإمام إلى حين انتقل النبي (ص) إلى الرفيق الأعلى.

وطبيعي أن دراسة البعثة من أقوال الإمام، وهو بتلكم المنزلة من النبي (ص) تلقي الأضواء المشرقة على الواقع التاريخي للبعثة ونزاهته وعن وعي.

ولعل من الأفضل أن أترك تصوير العلاقة الوثيقة بين النبي (ص) والإمام والتي هي ـ في حقيقتها ـ واقع حياة البعثة، إلى (نهج البلاغة) أيضاً.

يقول الإمام: وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ وَ الْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ وَ يَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ وَكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْ‏ءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ وَمَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ وَ لَا خَطْلَةً فِي فِعْلٍ([2]).

ولا أحسبني بحاجة لأن أشير إلى أنّ اعتماد (نهج البلاغة) مصدراً يعني الاستغناء عن دعم ما يذكره من الوقائع التاريخية بالرجوع إلى ما سواه من مصادر تاريخية تأخرت عن عصر الإمام، لا سيما وأنّ مصادرنا التاريخية القديمة تعتمد الرواية والحديث عمّن شهد الواقعة وشاهدها؛ وذلك لأن (نهج البلاغة) فيما يذكره التاريخ نتيجة مباشرة لشهود الإمام ومشاهداته القضايا دون تخلله أسانيد وبخاصّة بعد وضوح ثبوت صدرو ما فيه عن الإمام وبنصّه.

وحديث الإمام عن البعثة الشريفة يدور حول النقاط التالية:

  • وضع الناس قبل البعثة.
  • الغاية من البعثة.
  • زمن البعثة.
  • بدء نزول الوحي.
  • إداء النبي (ص) لمسؤولية تبليغ الرسالة أداء كاملاً.
  • التّطور الذي حَدَثَ للناس بسبب البعثة.

 

[وضع الناس قبل البعثة]

إنّ الإمام حينما يحدّثنا عن وضع الناس قبل البعثة يقسمه إلى مجالين:

الأول: الوضع العام للعالَم، وهو مجال الدعوة الإسلامية.

الثاني: الوضع العام للعرب، وهو منطلق الدعوة الإسلامية.

 

ويصوّر وضع الناس في المجال الأول قبل البعثة بأقواله التالية:

  • وَأَهْلُ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ وَأَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَةٌ وَطَرَائِقُ مُتَشَتِّتَةٌ بَيْنَ مُشَبِّهٍ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ أَوْ مُلْحِدٍ فِي اسْمِهِ أَوْ مُشِيرٍ إِلَى غَيْرِهِ([3]) .

 

  • وَالنَّاسُ فِي فِتَنٍ انْجَذَمَ فِيهَا حَبْلُ الدِّينِ وَ تَزَعْزَعَتْ سَوَارِي الْيَقِينِ وَاخْتَلَفَ النَّجْرُ وَتَشَتَّتَ الْأَمْرُ وَضَاقَ الْمَخْرَجُ وَعَمِيَ الْمَصْدَرُ فَالْهُدَى خَامِلٌ وَالْعَمَى شَامِلٌ عُصِيَ الرَّحْمَنُ وَنُصِرَ الشَّيْطَانُ وَخُذِلَ الْإِيمَانُ فَانْهَارَتْ دَعَائِمُهُ وَتَنَكَّرَتْ مَعَالِمُهُ وَدَرَسَتْ سُبُلُهُ وَعَفَتْ شُرُكُهُ أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ وَوَرَدُوا مَنَاهِلَهُ بِهِمْ سَارَتْ أَعْلَامُهُ وَقَامَ لِوَاؤُهُ فِي فِتَنٍ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا وَوَطِئَتْهُمْ بِأَظْلَافِهَا وَقَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا فَهُمْ فِيهَا تَائِهُونَ حَائِرُونَ جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ فِي خَيْرِ دَارٍ وَشَرِّ جِيرَانٍ نَوْمُهُمْ سُهُودٌ وَكُحْلُهُمْ دُمُوعٌ بِأَرْضٍ عَالِمُهَا مُلْجَمٌ وَجَاهِلُهَا مُكْرَمٌ([4]).

 

  • أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ وَاعْتِزَامٍ مِنَ الْفِتَنِ وَانْتِشَارٍ مِنَ الْأُمُورِ وَتَلَظٍّ مِنَ الْحُرُوبِ وَالدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ عَلَى حِينِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا وَ إِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا وَاغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الْهُدَى وَ ظَهَرَتْ أَعْلَامُ الرَّدَى فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لِأَهْلِهَا عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ وَطَعَامُهَا الْجِيفَةُ وَشِعَارُهَا الْخَوْفُ وَدِثَارُهَا السَّيْفُ([5]).

 

  • بَعَثَهُ وَالنَّاسُ ضُلَّالٌ فِي حَيْرَةٍ وَحَاطِبُونَ فِي فِتْنَةٍ قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الْأَهْوَاءُ وَاسْتَزَلَّتْهُمُ الْكِبْرِيَاءُ وَاسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِلِيَّةُ الْجَهْلَاءُ حَيَارَى فِي زَلْزَالٍ مِنَ الْأَمْرِ وَبَلَاءٍ مِنَ الْجَهْلِ([6]).

 

  • أَضَاءَتْ بِهِ الْبِلَادُ بَعْدَ الضَّلَالَةِ الْمُظْلِمَةِ وَالْجَهَالَةِ الْغَالِبَةِ وَالْجَفْوَةِ الْجَافِيَةِ وَالنَّاسُ يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيمَ وَيَسْتَذِلُّونَ الْحَكِيمَ يَحْيَوْنَ عَلَى فَتْرَةٍ وَيَمُوتُونَ عَلَى كَفْرَةٍ([7]).

 

  • ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله) بِالْحَقِّ حِينَ دَنَا مِنَ الدُّنْيَا الِانْقِطَاعُ وَأَقْبَلَ مِنَ الْآخِرَةِ الِاطِّلَاعُ وَأَظْلَمَتْ بَهْجَتُهَا بَعْدَ إِشْرَاقٍ وَقَامَتْ بِأَهْلِهَا عَلَى سَاقٍ وَخَشُنَ مِنْهَا مِهَادٌ وَأَزِفَ مِنْهَا قِيَادٌ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ مُدَّتِهَا وَاقْتِرَابٍ مِنْ أَشْرَاطِهَا وَتَصَرُّمٍ مِنْ أَهْلِهَا وَانْفِصَامٍ مِنْ حَلْقَتِهَا وَانْتِشَارٍ مِنْ سَبَبِهَا وَعَفَاءٍ مِنْ أَعْلَامِهَا وَتَكَشُّفٍ مِنْ عَوْرَاتِهَا وَقِصَرٍ مِنْ طُولِهَا([8]).

 

وهي ـ أعني هذه النصوص الكريمة ـ تشير إلى الحقائق التالية:

  • التأخر العام: الذي كان يعمّ الأمم من قبل البعثة حيث كانت تعيش في حيرة وضلة.
  • التخلف الاجتماعي: الذي تمثّل في غَلَبة الفتن وتلظي الحروب وسيطرة الظلم.
  • التخلف الحضاري: حيث ساد الجهل، وشاع الانقياد وراء الهوى.
  • التأخر الديني: وذلك بدروس منار الهدى وظهور أعلام الرّدى، وتفشي الجاهلية الجهلاء.

 

وأما في المجال الثاني فيحدثنا الإمام عن وضع العرب بما يأتي:

  • إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله) نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينٍ وَفِي شَرِّ دَارٍ مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشْنٍ وَحَيَّاتٍ صُمٍّ تَشْرَبُونَ الْكَدِرَ وَتَأْكُلُونَ الْجَشِبَ وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ الْأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ وَالْآثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ([9]).

 

  • فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله) وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً وَلَا يَدَّعِي نُبُوَّةً وَلَا وَحْياً([10]) .

 

وينطوي هذان النصان على الإشارة إلى:

1- التخلف الثقافي: الذي مني به العرب قبل البعثة؛ حيث عمّتهم الأمية التي كانت ما نعهم من قراءة الكتب والإفادة منها، وربما عاد ذلك إلى طبيعة حياتهم حيث كان معظمهم بدواً رحّلاً.

ومن هنا لم يُعرف لهم في هذه الفترة غير الشعر وقليل من النثر. أما التعليم والتأليف وتداول الكتب وجلبها فلم يحدث منه شيء.

2- التخلف الاجتماعي: متمثلاً بسفك الدماء والقطيعة وتفشي الظلم واللهو، كما في الوأد الذي عُرفت به بعض قبائل العرب، والعضل وعدم توريث النساء والأطفال، وكما في شيوع تعاطي الخمرة واستباحة النساء وانتشار القمار، وفي أيامهم (حروبهم) التي دوّنها التاريخ من أبرز ظواهر تخلفهم الاجتماعي.

3- التخلف الاقتصادي: لأنهم كانوا يعيشون في بيئة جغرافية متأخّرة طبيعياً لا تؤدي الزرع ولا تديم الري.

4- التأخر الديني: فقد كانوا على شرّ دين من عبادة الأصنام والاعتقاد بالأوثان التي تحوّلت بسبب كثرتها إلى مادة خصبة يؤلف فيها ابن الكلبي كتابه المعروف (الأصنام).

 

الغاية من البعثة

  • إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) لِإِنْجَازِ عِدَتِهِ وَإِتْمَامِ نُبُوَّتِهِ([11]).

 

  • وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالدِّينِ الْمَشْهُورِ وَالْعَلَمِ الْمَأْثُورِ وَالْكِتَابِ الْمَسْطُورِ وَالنُّورِ السَّاطِعِ وَالضِّيَاءِ اللَّامِعِ وَالْأَمْرِ الصَّادِعِ إِزَاحَةً لِلشُّبُهَاتِ وَاحْتِجَاجاً بِالْبَيِّنَاتِ وَتَحْذِيراً بِالْآيَاتِ وَتَخْوِيفاً بِالْمَثُلَاتِ([12]).

 

  • حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله) شَهِيداً وَبَشِيراً وَنَذِيراً ([13]).

 

  • فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ وَبَعِيثُكَ نِعْمَةً وَرَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةً([14]).

 

  • أَرْسَلَهُ دَاعِياً إِلَى الْحَقِّ وَشَاهِداً عَلَى الْخَلْقِ([15]).

 

  • فَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله) بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ إِلَى عِبَادَتِهِ وَمِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ بِقُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ وَأَحْكَمَهُ لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ وَلِيُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ وَلِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ([16]).

 

  • وَبَشِيرُ رَحْمَتِهِ وَنَذِيرُ نِقْمَتِهِ([17]).

 

  • وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَمْجُتْبَىَ مِنْ خَلَائِقِهِ وَالْمُعْتَامُ لِشَرْحِ حَقَائِقِهِ وَالْمُخْتَصُّ بِعَقَائِلِ كَرَامَاتِهِ وَالْمُصْطَفَى لِكَرَائِمِ رِسَالَاتِهِ([18]).

 

  • أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ الْحُجَجِ وَظُهُورِ الْفَلَجِ وَإِيضَاحِ الْمَنْهَجِ([19]).

 

  • فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله) نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ وَمُهَيْمِناً عَلَى الْمُرْسَلِينَ([20]).

 

تلخص هذه النصوص الكريمة غاية البعثة الشريفة في الأهداف التالية:

1- إتمام النبوة، وختم الرسالات الإلهية؛ حيث قَطَعَت البشرية مراحل نموها وبَلَغَت درجة النّضج في حياتها العقلية، مما أوجب أن تَنَزّل عليها الرسالة الكاملة الخاتمة، وأن تتم وتُختم النبوة.

2- الدعوة إلى الحق، إلى توحيد الله تعالى، إلى الإيمان به وحده والطاعة له وحده ليرتفع الإنسان من وهدة الإلحاد والشرك والعبودية للمخلوق إلى رفعة الاعتقاد بالحق، الذي يلتقي ومقتضى الواقع ويتمشى وطبيعة العقل، ويسمو الإنسان إلى تنظيم حياته في كل مجالاتها وفق شريعة الله تعالى الخالق له والعالم بما يصلحه ويمنحه الحياة الحرّة الطَّيبة.

3- البشارة بالخير والمصير السعيد لمن يهتدي بهُدى الله تعالى.

4- النذارة بالعقوبة والمصير الشقي لمن ينحرف عن الصراط المستقيم إلى أديان الأرض وشرائع الإنسان.

  • الإلزام بالحجة، ليكون لله تعالى الحجة البالغة على خلقه، حيث بَلَّغهم ما يهبهم سعادة النشأتين وحسنى الدارين، لئلا يكون للناس على الله الحجة.

6- الشهادة ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ([21]).

 

ظرف البعثة

أما ظروف البعثة النبوية وزمانها، فتكاد تحصرها نصوص (نهج البلاغة) في حين من الزمان أطلَقَت عليه وصف (آخر الزمان) ووصف (الفترة الخالية من الرسل).

ونقرأ الوصف الأوّل في أمثال النصوص التالية: ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله) بِالْحَقِّ حِينَ دَنَا مِنَ الدُّنْيَا الِانْقِطَاعُ وَأَقْبَلَ مِنَ الْآخِرَةِ الِاطِّلَاعُ([22]).

 

والوصف الثاني نقرأه في أمثال قوله: أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ([23]).

وقد أصبح هذا الوصف عَلَمَاً على هذه المدّة بين بعثة المسيح وبعثة نبينا محمد (ص).

ويراد بالفترة من الرسل: انقطاع الرسل هذه المدّة، حيث لم يبعث الله تعالى من رسله وأنبيائه أحداً في أثناء هذه المدّة من بعثة عيسى إلى بعثة محمد.

وربما عَلَّلَ ذلك بعض المؤرخين بالتمهيد لبعثة النبي محمد (ص) ليكون الناس على فارغ من الصبر في انتظار المصلح المبعوث من قبل الله تعالى.

 

بدء نزول الوحي

ويصوّر لنا الإمام بدء الوحي بقوله وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ.

وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ (صلى الله عليه وآله) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ؟

فَقَالَ: هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَتَرَى مَا أَرَى إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ وَلَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ([24]).

 

جهاد النبي من أجل الدعوة

ومما صَوَّرَه الإمام ـ وهو يستعرض مراحل البعثة في مناسبات ذكرها والتذكير بها ـ جهاد النبي (ص) من أجل الدعوة، وما لاقاه لذلك من متاعب ومصاعب، فيقول: وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ خَاضَ إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ كُلَّ غَمْرَةٍ وَتَجَرَّعَ فِيهِ كُلَّ غُصَّةٍ وَقَدْ تَلَوَّنَ لَهُ الْأَدْنَوْنَ وَتَأَلَّبَ عَلَيْهِ الْأَقْصَوْنَ وَخَلَعَتْ إِلَيْهِ الْعَرَبُ أَعِنَّتَهَا وَضَرَبَتْ إِلَى مُحَارَبَتِهِ بُطُونَ رَوَاحِلِهَا حَتَّى أَنْزَلَتْ بِسَاحَتِهِ عَدَاوَتَهَا مِنْ أَبْعَدِ الدَّارِ وَأَسْحَقِ الْمَزَارِ([25]).

 

قيام النبي بالمسؤولية

ويتابع الإمام سير البعثة الشريفة فيؤكّد قيام النبي (ص) بمسؤلية تبليغ الرسالة الإلهية أتم قيام، وأداءه الدين الذي بعث به أداء كاملاً، فيقول:

  • فَسَاقَ النَّاسَ حَتَّى بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ وَبَلَّغَهُمْ مَنْجَاتَهُمْ فَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ وَاطْمَأَنَّتْ صَفَاتُهُمْ([26]).

 

  • اللَّهُمَّ دَاحِيَ الْمَدْحُوَّاتِ وَدَاعِمَ الْمَسْمُوكَاتِ وَجَابِلَ الْقُلُوبِ عَلَى فِطْرَتِهَا شَقِيِّهَا وَسَعِيدِهَا، اجْعَلْ شَرَائِفَ صَلَوَاتِكَ وَنَوَامِيَ بَرَكَاتِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ الْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ وَالْفَاتِحِ لِمَا انْغَلَقَ وَالْمُعْلِنِ الْحَقَّ بِالْحَقِّ وَالدَّافِعِ جَيْشَاتِ الْأَبَاطِيلِ وَالدَّامِغِ صَوْلَاتِ الْأَضَالِيلِ، كَمَا حُمِّلَ فَاضْطَلَعَ قَائِماً بِأَمْرِكَ مُسْتَوْفِزاً فِي مَرْضَاتِكَ غَيْرَ نَاكِلٍ عَنْ قُدُمٍ وَلَا وَاهٍ فِي عَزْمٍ وَاعِياً لِوَحْيِكَ حَافِظاً لِعَهْدِكَ مَاضِياً عَلَى نَفَاذِ أَمْرِكَ، حَتَّى أَوْرَى قَبَسَ الْقَابِسِ وَأَضَاءَ الطَّرِيقَ لِلْخَابِطِ وَهُدِيَتْ بِهِ الْقُلُوبُ بَعْدَ خَوْضَاتِ الْفِتَنِ وَالْآثَامِ وَأَقَامَ بِمُوضِحَاتِ الْأَعْلَامِ وَنَيِّرَاتِ الْأَحْكَامِ([27]).

 

  • فَبَالَغَ (صلى الله عليه وآله) فِي النَّصِيحَةِ وَمَضَى عَلَى الطَّرِيقَةِ وَدَعَا إِلَى الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ([28]).

 

  • بَلَّغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ مُنْذِراً وَدَعَا إِلَى الْجَنَّةِ مُبَشِّراً([29]).

 

  • أَرْسَلَهُ دَاعِياً إِلَى الْحَقِّ وَ شَاهِداً عَلَى الْخَلْقِ فَبَلَّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ غَيْرَ وَانٍ وَ لَا مُقَصِّرٍ وَ جَاهَدَ فِي اللَّهِ أَعْدَاءَهُ غَيْرَ وَاهِنٍ وَلَا مُعَذِّرٍ([30]).

 

  • أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وَتَنَازُعٍ مِنَ الْأَلْسُنِ فَقَفَّى بِهِ الرُّسُلَ وَخَتَمَ بِهِ الْوَحْيَ فَجَاهَدَ فِي اللَّهِ الْمُدْبِرِينَ عَنْهُ وَالْعَادِلِينَ بِهِ([31]).

 

  • فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ صَادِعاً بِهَا وَحَمَلَ عَلَى الْمَحَجَّةِ دَالًّا عَلَيْهَا وَأَقَامَ أَعْلَامَ الِاهْتِدَاءِ وَمَنَارَ الضِّيَاءِ وَجَعَلَ أَمْرَاسَ الْإِسْلَامِ مَتِينَةً وَعُرَى الْإِيمَانِ وَثِيقَةً([32]).

 

  • فَصَدَعَ بِالْحَقِّ وَنَصَحَ لِلْخَلْقِ وَهَدَى إِلَى الرُّشْدِ وَأَمَرَ بِالْقَصْدِ([33]).

 

التّطوّر الذي أحدثته البعثة

  • حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) حُجَّتُهُ وَبَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذْرُهُ وَنُذُرُهُ([34]).
  • قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الْأَبْرَارِ وَ ثُنِيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الْأَبْصَارِ دَفَنَ اللَّهُ بِهِ الضَّغَائِنَ وَ أَطْفَأَ بِهِ الثَّوَائِرَ أَلَّفَ بِهِ إِخْوَاناً وَ فَرَّقَ بِهِ أَقْرَاناً أَعَزَّ بِهِ الذِّلَّةَ وَ أَذَلَّ بِهِ الْعِزَّةَ([35]).

ونستطيع أن نلمس المعلمة البارزة في التّطوّر الذي أحدثته البعثة الشريفة من إشراقة النص الأول، حيث تمّت الحجة بمحمد (ص) وبلغ المقطع عذره ونذره؛ وذلك لأن الإسلام نزل عقيدة كاملة، ونظاماً للحياة شمل جميع شؤونها، ورَسَم لكل متطلباتها في مختلف ظروفها وأحوالها حتى تقوم الساعة، القانون التام لكل صغيرة وكبيرة في أعمال الإنسان وسلوكه فردياً وجماعياً، في نفسه وفي أسرته والمجتمع والدولة للحياة كافة.

والنص الثاني نقرأ تلك الثورة التي غيّرت حياة العرب من جاهلية بدويّة مغلوبة إلى أمة قائدة، وفّر لها الإسلام وسائل الفكر والعمل، ودفعها بزخم قوي هائل إلى الرقي المستمر وبسرعة فائقة يقف عندها العقل في حيرة عجب وذهول استغراب، حينما يقارن بين حياتهم ومدة الثلاث والعشرين سنة التي مرت بها عملية التطور، وهي تقتلع أسساً وتبني أسساً وتستأصل جذوراً وتضع مكانها، تهدم باطلاً وتشيد حقاً حتى نزلت الأية الخاتمة ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾([36]).

 

(* ) نشر هذا البحث في العدد (9) من مجلة (رسالة الإسلام) الصادرة عن كلية أصول الدين، سنة 1388ﻫ ـ 1968م.

([1] ) [نُشرت هذه الدراسة في مجلة (رسالة الإسلام) ضمن العددين 7-8 من السنة الثانية، 1 ذي القعدة 1388هـ-1 شباط 1968م. وطُبعت الدراسة مستقلّة بعد تحقيقها من قِبَل لجنة مؤلّفات العلامة الفضلي].

([2]) الخطبة 9.

([3]) نهج البلاغة، شرح الإمام محمد عبده، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة الاستقامة بمصر، 19/1، [الخطبة 1].

([4]) 23 و24/1،[الخطبة2].

([5])155 و156/1، [الخطبة 89].

([6])186/1،[الخطبة 95].

([7])49/2، [الخطبة 151].

([8]) 201 و202/2،[الخطبة 198].

([9])620/1،[الخطبة 26].

([10]) 199/1،[الخطبة 104].

([11]) 18/1،[الخطبة 1].

([12]) 22/1،[الخطبة 2].

([13]) 200/1،[الخطبة 105].

([14]) 203 و204/1،[الخطبة 106].

([15]) 227/1،[الخطبة 116].

([16])40 و41/2،[الخطبة 147].

([17]) 104/2، [الخطبة 173].

(([18] 119/2،[الخطبة 178].

(([19] 138/2،[الخطبة 185].

([20]) 130/3،[الخطبة 62].

([21]) البقرة: 143.

([22])201/2،[الخطبة 198].

([23] ) 155/1،[الخطب 89/94/133/158].

([24])182/1، [الخطبة 192].

([25])190/2،[الخطبة 194].

([26]) 77/1، [الخطبة 33].

([27])116 /1،[الخطبة 72].

([28]) 187/1،[الخطبة 95].

([29]) 214/1،[الخطبة109].

([30]) 227/1،[الخطبة 116].

([31]) 225/1،[الخطبة 133].

([32]) 139/2،[الخطبة 158].

([33]) 193/2،[الخطبة 195].

([34]) 177/1،[الخطبة 91].

([35]) 187/1،[الخطبة 96].

([36]) المائدة: 3.



اترك تعليقاً