عبد الهادي الفضلي.. بين بحور اللغة وعلوم القرآن



عبد الهادي الفضلي، واحد من العلماء البارزين في علوم اللغة العربية، والدراسات القرآنية، والبحوث العقلية والفكرية، إلى جانب اهتمامه بعلوم الفقه وأصوله. عُرف بشغفه بالعلم، جامعاً في دراسته بين المناهج التقليدية في الجوامع والمناهج الأكاديمية الحديثة. قدّم للمكتبة العربية أكثر من 65 مؤلفاً تعدّ في مجملها ذخيرة علمية لا غنى عنها، وقضى حياته في إثراء وتدوين العلوم العربية والإسلامية وصياغتها بصورة محكمة، والاهتمام بإرساء خطاب يعتمد العقلانية والاعتدال والانفتاح منهجاً، وخدمة العلم. الكاتبان حسين الشيخ وعلي الأصيل يتناولان مسيرة العلامة الدكتور عبدالهادي الفضلي العلمية والحياتية التي قضاها في سبيل العلم والمعرفة، وجهوده في الدراسات اللغوية، وعمله على إثراء مناهجها، وقدرته على الربط بين العلوم.

  تتداخل العلوم والمعارف فيما بينها، إما لدواعٍ تاريخية أو لدواعٍ معرفية بحتة أو لكليهما معاً. وهو ما ينطبق على علوم العربية ودراساتها اللغوية. إذ إنّ معظم علوم اللغة العربية إنما نشأ في ظلّ اهتمام المسلمين بالعلوم الشرعية، وبخاصّة ما يرتبط منها بالقرآن الكريم وحفظه وصيانته من التحريف واللّحن.   فنجد تاريخياً علماء مسلمين عُرِفوا في أكثر من حقل معرفي وبرزوا فيه، كما هي الحال مع الكسائي (ت 189ﻫ) وأبي عمرو ابن العلاء (ت 154ﻫ) اللذَين تُعدّ قراءتهما من القراءات السبع، وفي الوقت نفسه يعدّان من الجيل الأول الذي نشأ الدرس النحوي على يديه، من أمثال الخليل (ت 175ﻫ) وسيبويه (ت 180ﻫ).  

تعدّد المنابع

وامتداداً لتلكم الأجيال من العلماء الذين جمعوا بين أكثر من اهتمام وحقل معرفي، يأتي الراحل الشيخ عبدالهادي الفضلي الذي عاش متنقّلاً من البيئة البصْرِية العراقية ذات الروابي الأدبية واللغوية، إلى البيئة النجفية ذات الصبغة العلمية التقليدية والمتجدّدة، ومن ثمّ إلى البيئة الجامعية الأكاديمية بجامعة القاهرة وجامعة الملك عبدالعزيز بجدّة، ليحطّ برحله، أخيراً، على الساحل الشرقي للمملكة متفرِّغاً للعمل البحثي والثقافي.   في البصرة، جنوبي العراق، بدأت علاقته الحميمة باللغة العربية وآدابها، فتفيأ في ظلال شعرائها وأخذ عن والده دراسة أهم المتون اللغوية، وبخاصّة النحوية منها والصرفية. وهناك تعدّدت لديه الاهتمامات العلمية وتنوّعت بين الفقه والأصول والمعارف العقلية المتنوّعة، وبعد تجربته العراقية الغنية، حطّ رحله في جدّة بالمملكة العربية السعودية، حيث اهتم بإجراء دراسات عدّة عقدها حول القرآن الكريم، تأليفاً وتحقيقاً، وذلك انطلاقاً من رسالته: «قراءة ابن كثير وأثرها في الدراسات القرآنية»، حيث صدر له خلال تلك المرحلة الأكاديمية: «القراءات القرآنية.. تاريخ وتعريف»، تحقيق: «بداية الهداية في علم التجويد للويمي» (ت 1250ﻫ)، وتحقيق: «الناسخ والمنسوخ لابن العتائقي الحلي» (من أعلام المئة الثامنة)، و«شرح الواضحة في تجويد الفاتحة لابن أم قاسم المرادي» (من أعلام المئة الثامنة)، و«ظاءات القرآن الكريم للرسعني» (ت 661ﻫ) وغيرها من الدراسات القرآنية.   وفي مرحلة تقاعده الوظيفي، استكمل مشروعه في البحث والتحقيق والتأليف، وكان آخر ما صدر له من مؤلّفات: «الموجز في علم التجويد 2009م»، وهو يمثل إضافة علمية متميّزة في حديثه القرآني المتعلقة بمقرّره الأصولي الموسّع «دروس في أصول الفقه» الذي تناول فيه القرآن الكريم مصدراً أولياً من مصادر الحكم الشرعي في الإسلام، ومعه عديد من الإشارات المتعدّدة في هذا الجانب.  

إثراء المناهج العلمية

خلال مسيرته العلمية والفكرية، عُرِفَ الفضلي واحداً من العلماء البارزين في تدوين العلوم الإسلامية وصياغتها بصورة محكمة وقولبتها في مقرّرات سيّالة، يستطيع الطالب كما المعلّم، والمتخصّص كما غير المتخصّص الإفادة منها. ولعلّ من أبرز ما يميّز المقرّر الدراسي لديه اهتمامه بالمقدّمة العلمية في معظم تلكم المقرّرات؛ ذلك أن ما ييسّر للطالب مادة الكتاب: حُسن مفتتحه ومدخله إلى أبواب وفصول المقرّر الدراسي. ومن عناوين مقدماته العلمية لكثير من مقرّراته التي تزيد على 20 مقرّراً في مختلف العلوم والمعارف الإشارة إلى علاقة مادة الكتاب بالعلوم والمعارف الأخرى، وهي العلاقة التي تساعد الدارسين والباحثين على إثراء مادة كل علم من خلال اكتشاف علاقاته المتعدّدة بالمعارف الأخرى .. فنقرأ له، مثلاً، فصلاً كاملاً في رسالة الدكتوراة بعنوان: «العلاقة بين القراءات والدراسات القرآنية» فصَّل فيه الحديث عن التطوّر التاريخي والترابط المعرفي بين القراءات القرآنية وبقية العلوم، وبخاصّة ما يرتبط بالدرس النحوي، موضوع البحث.  

منهج الدراسات اللغوية

من العلوم الشرعية الأساس: علم أصول الفقه الذي يُعنى بوضع أسس وقواعد فهم النصوص الشرعية وآلية استنباط الحكم الفقهي منها. ولأنّ هذه النصوص انعكاس لواقع لغوي ممارَس في مجتمع شبه الجزيرة العربية في حقبة زمنية محدّدة، يذهب الفضلي – ومعه مجموعة من الباحثين – إلى أن المنهج العلمي الذي ينسجم وطبيعة التعامل مع القواعد الأصولية يجب أن ينطلق من أن اللغة ظاهرة إنسانية يمارسها الإنسان انطلاقاً من انتمائه الاجتماعي، ولذلك يقول: «نحن في الدرس الأصولي أمام ظواهر اجتماعية عامّة، تتنوّع إلى: ظواهر لغوية – اجتماعية، وظواهر اجتماعية – اجتماعية. وهذا يتطلّب منّا – في مجال دراستها – أن نلتزم: المنهج الاجتماعي – اللغوي. والمنهج الاجتماعي – الاجتماعي».   ويقترح الفضلي إيجاد معاجم دلالية تفرّق بين الحقيقة والمجاز، كما هي الحال مع معجم «أساس البلاغة» للزمخشري، و«معجم ألفاظ القرآن الكريم» الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة الذي يهتمّ بتتبّع معاني المفردة في سياقاتها القرآنية، و«المعجم الكبير» الصادر عن المجمع نفسه، حيث يتتبَّعُ المعجمُ تعدّد وتطوّر معاني المفردات تاريخياً، وارتباطاتها بالمفردات الأجنبية ذات المعنى نفسه، وغيرها من الأمثلة. وتطبيقاً لهذه الفكرة، صدر للفضلي دراسة لغوية قرآنية لمفهومي «الدين والإسلام» بعنوان: «الإسلام مبدأً» سنة 1386ﻫ/ 1966م، عُنيت بمفهومي الدين والإسلام وما أدخل عليهما الإسلام من معانٍ جديدة مع ظهوره وتمكنه في مجتمع شبه الجزيرة العربية، وهي دراسة رائدة في مجال الدراسات اللغوية الدلالية والمقارِنة.   ومن الدراسات اللغوية المقارنة المهمّة التي نشرت للفضلي مؤخراً، كتابه: «الإسلام والمفاهيم الضيّقة: دراسة موجزة حول بعض المفاهيم الدينية ومقارنتها بآفاق المعرفة الإنسانية»، (2012م)، الذي تناول فيه المفردات التالية: المعرفة، الفكر، الوعي، الدين، الهوية، حقّ الحياة، الحرية، السياسة. حيث قارن فيها بين ما يقدّمه الدين الإسلامي من مفاهيم توسِّع من أفق النظرة حولها، فيما يحصرها الفكر الغربي في مفاهيم أضيق.  

الدراسات اللغوية والقيمة الحضارية

خصص الفضلي في دراسة نشرها حول تطّور المصطلح العلمي في العلوم الشرعية، البحث حول مصطلحات علم الحديث، وذلك في دراسة بعنوان: «تمازج اللغة بفنّ مصطلح الحديث اللفظي» (مجلّة المنهل –1404ﻫ)، وفيها يرى أن المصطلحات العلمية تشكِّل نمطاً لغويّاً خاصّاً في حضارات الأمم، وذلك لأن اللغة المتحضّرة تملك في رصيدها اللغوي نمطين أو مستويين من اللغة، هما: اللغة الاجتماعية، واللغة العلمية. وبين هذين المستويين اللغويين تمازج دلالي قد يضيق وقد يتّسع، وفي حالتي التضييق والتوسُّع تبقى الجذور الغائرة في تربة اللغة واحدة.   وفي مقالته هذه يقترح تنويعَ المعاجم اللغوية العربية، بما يشمل اللغتين الاجتماعية، التي تتناول المادة اللغوية في استعمالها الاجتماعي البحت دون الدخول في المعاني العلمية، والعلمية التي تهتمّ بفرز المصطلحات وشرحها في حقولها العلمية والمعرفية البحتة دون أن يكون هناك خلط بين هذه وتلك تربك الباحث والدارس بينهما.  

القرآن الكريم نصٌّ أعلى

ظهرت علوم العربية تاريخياً كفرعٍ لاهتمام المسلمين بالقرآن الكريم والمحافظة عليه وصيانته. وما يقترحه الفضلي في سياق الدراسات القرآنية، هو أن يتم الاستفادة من نتائجها، وبخاصّة من نتائج علم القراءات حيث أجمع المسلمون على وثاقة النصّ القرآني في طرقه المنتهية إلى القراءات السبع، والاختلاف حول بعض القراءات الأخرى (الشاذّة) في وضع قواعد النحو العربي، وذلك انطلاقاً من تفوّق النصّ القرآني علميّاً في الوثاقة على بقية الشواهد العربية الأخرى، وفي مقدمتها الشعر العربي.   والفضلي يقول في رسالته الدكتوراة: «اخترتُ (منهجيَّاً) اعتماد القراءة شاهداً نحوياً أعلى يقاس عليه الشاهد الشعري، ولا يقاس هو عليه. كما اخترتُ تقديم القراءة المتواترة على القاعدة النحوية إذا تعارضتا. وتطبيقاً لهذه النظرة الجديدة في المنهج النحوي، قدّم دراسته التطبيقية «اللامات: دراسة نحوية شاملة في ضوء القراءات القرآنية» الصادرة عن دار القلم ببيروت سنة 1980م.   وفي السياق نفسه، نشر مقالة بهذا المعنى في مجلة «قافلة الزيت» (عدد جمادى الآخرة 1392ﻫ/ يوليو – أغسطس 1972م)، بعنوان: «القرآن الكريم وثيقة اللغة العربية»، ينتهي فيه إلى أن القرآن الكريم هو الوثيقة الأصيلة التي توقفنا بشمول واسع على البيئة العربية التي ولدت فيها اللغة ونشأت وتطوّرت؛ وعقلية ونفسية وسلوك الإنسان العربي الذي قال اللغة وعانى تجربتها في تاريخها الطويل؛ ولهجات القبائل والمجتمعات العربية مما يوقفنا على الامتداد التاريخي للغة مكاناً وزماناً، أفقياً وعمودياً؛ والتقارض بين اللغة العربية وأخواتها الساميات، وبينها وبين جاراتها كالفارسية والرومية، وهو عنصر مهمّ في معرفة مدى مرونة اللغة وحيويتها؛ والمفردات، وهي الرصيد والغطاء الذهبيان لثروة الأمة اللغوية؛ والأسلوب الأدبي والتراكيب الكلامية التي تعرب عن مدى ما انتهى إليه اللسان العربي من قدرة في البيان والإفصاح.   وكانت هذه الفكرة مختمرة لدى الدكتور الفضلي منذ وقتٍ مبكّر، وهو ما يظهر من مطالعة كتابه «التذكرة في علوم اللغة العربية وآدابها» الذي جمعه أثناء قراءاته العراقية الأولى في دفاتر وأوراق متفرّقة، حيث نقل فيه مجموعة كبيرة من النقول قارب ما بقي منها الأربعمائة نقلاً. وأثناء مطالعة هذه النقول نجد تكراراً لهذه الفكرة (أصالة الشاهد القرآني) ينقلها عن أكثر من عالم لغوي.   ويضيف الفضلي إلى ما دوّنه أعلاه نقطة أخرى في مرجعية القرآن في الدراسات الأدبية والفكرية في دراسته عن «المسؤولية الخلقية في فكر الدكتور محمد إقبال»، حيث يشير هناك إلى ميزة مهمّة في فكر الدكتور إقبال فيما يتعلّق برؤيته الأخلاقية، إذ إنه «في كلّ تلك الأبعاد والشروط المتقدّمة، يستوحي آراءه من آي القرآن الكريم، … وحتّى في اختياراته الفلسفية أو الخلقية مما اختلف فيه الأقدمون نجده يختار من النظريات أو الآراء الذي يلتقي وما قرّره القرآن الكريم».   ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ   مجلة القافلة المجلد 63- سنة 2013م

اترك تعليقاً