الشَّيخ الفضلي.. مِن البصرة والنَّجف إلى جدة والقطيف(*)



إذا جرى الحديث عن الإسلام السِّياسي العِراقي، بنسخته الشِّيعية، يحضر اسم الشَّيخ عبد الهادي الميرزا محسن الفضلي(1935- 2013)، وإذا جرى الحديث عن البحث الفقهي يحضر كتاب الفضلي “أُصول البحث”(1990)، هو وكتاب “منهج البحث الأَدبي”(1986) لكبير النُّقاد علي جواد الطّاهر (ت 1996) يُعدان مِن المراجع في هذا الضرب مِن المعرفة، بداية مِن تعيين موضوع البحث مروراً في تحضير مادته إلى إنجازه. بل إن الطَّاهر يأخذ بيد المؤلف مِن الخطوة الأُولى حتى يسلم مؤلفه إلى المطبعة. قرأت في صحيفة “الشَّرق” السُّعودية نعياً للشِّيخ عبد الهادي الفضلي، مع صور من محطات حياته. ولد بالبصرة العام 1935 مِن أب قطيفي وأم مِن آل البطاط بصرية، وتعلم في كتاتيبها، ثم انتقل للدراسة الدِّينية بالنَّجف، مجتازاً المراحل الثَّلاث: المقدمات والسُّطوح ودرس الخارج، وهذه المراحل تميزها الكتب التي تُدرس فيها، والدَّرس الخارج يعتمد على علم الأستاذ.
ظل الفضلي، حسب كتاب “قراءات في فكر العلامة عبد الهادي الفضلي”، الذي أعده نجله فؤاد، يتردد بين النَّجف والبصرة، حتى استقر بالنَّجف ليتركها العام 1971 إلى مدينة جدة، ويتعين مدرساً بجامعة الملك عبد العزيز، وكان قد نال شهادتي البكالوريوس والماجستير في اللغة، ثم بعثته الجامعة المذكورة على حسابها للدراسة بجامعة القاهرة، وعاد إليها العام 1976 فأخذ يُدرس علوم اللغة والأدب من صرف ونحو وعروض مع تدريس تحقيق المخطوطات. أسس بجامعة الملك عبد العزيز قسم اللغة العربية، وصار أول رئيس له، وعضواً مؤسساً دائماً في لجنة المخطوطات بالجامعة نفسها، وأشرف على رسائل الماجستير والدكتوراه فيها.
استفدتُ كثيراً مِن ذكرياته التي تضمنها الكتاب المذكور أعلاه، اثناء العمل في كتاب “مئة عام مِن الإسلام السِّياسي بالعِراق”، بمعلومة تفرد بها، أو بتأكيد أو نفي معلومات الآخرين، وهو يُعد معاصراً لفترة تأسيس حزب الدَّعوة الإسلامية، ويؤكد أن ذلك حصل نتيجة لتعاظم أمر اليسار بالعراق بعد يوليو/ تموز 1958، وكان مِن المتصدين آنذاك للعمل الإسلامي الذي بدأ منظماً العام 1959، ويؤكد الفضلي بأن الاتجاه كان في بداية الأمر بتسمية الحزب بالحزب الإسلامي، ولكن بسبب وجود هذا الاسم لحزب الإخوان المسلمين عُدل إلى اسم “الدَّعوة”. كان الفضلي أحد أعضاء جماعة العلماء، التي تأسست بالنَّجف بعد تموز 1958 لمواجهة اليسار العراقي، الممثل بالحزب الشِّيوعي العِراقي، وكانت تتكون مِن فئتين: فئة العلماء الكبار وفئة الشَّباب، والفضلي مِن الفئة الثَّانية. يقول أحد هؤلاء الشَّباب آنذاك وهو السَّيد طالب الرِّفاعي الآتي: “انتخب هؤلاء عشرة مِن الشَّباب كطبقة ثانية بعد طبقتهم الأُولى، ويبقون تحت شُعاع العشرة الأُولى، ليكونوا مساعدين لهم، وكنت أحد هؤلاء الشَّباب مِن المعممين أيضاً. كان مِن العشرة الثَّانية: السَّيد محمد مهدي الحكيم، والسَّيد محمد سعيد الحكيم (المرجع الحالي بالنَّجف)، والشَّيخ عبدالحليم الزِّين، والشَّيخ عبدالهادي الفضلي، والسَّيد جعفر بحر العلوم، والشَّيخ محمد علي الزّين، والشَّيخ محمد مهدي السّماوي، ومَن فاتني ذكر اسمه، وأنا”(أمالي السيد طالب الرفاعي). كان هؤلاء يتدربون على الخطابة بنمط جديد مختلف عن قراء المنبر الحسيني، أو الذين عرفوا بالرَّوزخونية، كي يواجهوا الثَّقافة المعاصرة ويؤثروا في طبقة المثقفين، ويتمكنوا مِن دحر خصومهم، ومعلوم أن اليساريين كانوا أهل ثقافة. والشيء بالشيء يُذكر أن مفردة الرَّوزخونية قد نحتت من اسم كتاب الملا حسين الكاشفي (ت 910 هـ) “روضة الشهداء”، أي قصة مقتل الحسين، وجرى تأليفها وقراءتها منذ العهد الصَّفوي (1501 -1723 ميلادية). يحدد الرِّفاعي بأن الشَّيخ الفضلي كان مِن الأوائل الذين انتموا لتنظيم الدَّعوة، فـ”محمد مهدي الحكيم هو الذي صدح بالدَّعوة بعد المبايعة (مبايعة الانتماء للدعوة)، في 14 أو 15 تموز 1959 فأخذ يذهب إلى العُلماء ويحدّثهم ويحرّضهم، ويختار الطَّلبة المميزين، في الحوزة الدِّينية، ويأخذ منهم موافقات الانتماء إلى الحزب، وهو يتمُّ عادةً على شكل بيعة. وبعدها أخذ السّيد محمد باقر الصَّدر يُلقي دروساً عليهم ولم أحضرها، كانت دروساً تثقيفية، وكانت تُنشر في نشرة الدَّعوة، ومِن هؤلاء كان الشَّيخ عبد الهادي الفضلي”. وكان الأخير عضواً في هيئة تحرير مجلة “الأضواء” إلى جانب آخرين مِن الدَّعوة. وبعد خروج السَّيد محمد باقر الصَّدر(اعدم 1980) تولى قيادة الحزب بالنَّجف جماعة بلا رأس؛ كان أحدهم عبد الهادي الفضلي، وقد دخل الأخير في النزاع بين أهل العمائم والأفندي داخل الحزب، وكان إلى جانب السَّيد طالب الرِّفاعي في هذا الأمر. قاد الرِّفاعي والفضلي أول انشقاق في حزب الدَّعوة ضد الأفندية (غير المعممين). يقول الرِّفاعي: “وكان الشَّيخ عبد الهادي الفضلي يحمل مثل تلك الأفكار، في التَّمييز بين أهل العمائم وحاسري الرؤوس (الأفندية) داخل التَّنظيم. قال لي الفضلي: ألا رأيت ماذا فعل الأفندية بنا؟ فقلت له: صحيح ما تقول ولا بدَّ من أن نفعل شيئاً! فقال: أنا بخدمتك أبو آمنة! فصارحته: يجب أن نأخذ زمام القيادة في الحزب، أي كمعممين! فقال: أنا تابع لك، لكن أنا وأنت لا نتمكن مِن فعل شيء. فما رأيك بعدنان البكّاء! وكان حينها مِن المعممين. فقلت: إن البكّاء يأتي في الدَّرجة الرَّابعة، وأنا في الدرجة الأولى، وأنت في الثَّانية، في داخل التَّنظيم. أليس هذا يعتبر طفرة في تسلسل الدَّرجات الحزبية؟ فقال: أرى أن يكون معنا السَّيد عدنان البكّاء. وكان كذلك”(أمالي السَّيد طالب الرِّفاعي). كلُّ هذا جرى في شرخ الشَّباب، وفي مواجهة ظرف عصيب، مثلما يعتبره الإسلاميون، فكان عمر الفضلي في تلك الأيام لم يتجاوز الخامسة والعشرين، لكن بعد ذلك توجه إلى الدرس وطلب العِلم، وألف كتباً عديدة تصل إلى خمسة وسبعين كتاباً، وبينها ما صدر في أكثر مِن مجلد. وأن فترة سبعة عشر عاماً (1971-1988) مِن التدريس وممارسة الإشراف العلمي بجامعة الملك عبد العزيز حتى تقاعده، ثم مواصلة الإشراف العلمي مِن الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية بلندن، لم تبق السياسة والحزبية تشغلا حيزاً في نفسه. لقد تعدته موجة الثَّورة الإيرانية، والموجة الدِّينية السياسية بسبب هذه الثَّورة وحرب أفغانستان، وانتعاش الإسلام السِّياسي بشتى أصنافه، فأصبحت تلك الأيام تاريخا وعبرا، ومَن ينجز خمسة وسبعين كتاباً ويترأس قسماً علمياً لسنوات طويلة، لا يجد فرصة للتفكير في حزب أو آيديولوجية. فماذا لو ظل الفضلي مقيداً بقيد الحزبية والعقيدة السِّياسية؟ السؤال لا أجيب عنه أنا، إنما يجيب عنه ما آل إليه الحال مِن هزيمة العقل. سمعنا مِن الذين خالطوا الفضلي أنه كان إنساناً هادئ الطِّباع، صادقا مع نفسه ومع مَن حوله، يتمكن برزانته مِن استيعاب مخالفيه، والأوطان عنده تستوعب الجميع، وأن ترحاله بين المدن المختلفة في مذاهبها مدته بخبرة وتجربة، وأن مثلَ عِمامة عبد الهادي الفضلي لا تفرط في إنسانية ولا تعتمر على كراهية، فقد ولد ونشأ بالبصرة، تلك المدينة المختلطة، التي تعلم ساكنوها القدرة على التعايش، وتعلم بالنَّجف وصَلب عوده فيها، حيث مارس السِّياسة، دون أن تأخذه بعيداً، فما هي إلا أعوام ويفيق لتحقيق حلمه في العِلم، ثم وصل مدينة جدة وهو ناضج، وهي الأخرى مفتوحة لا تضيق بإنسان مثل الفضلي، ومات بالقطيف وشيع في مدينته سيهات، وكلها أسماء كتب التَّاريخ ورحلات الرحالين ملأى بأخبارها. أخيراً، في حياة الشَّيخ عبد الهادي الفضلي، وهو يعبر مِن النَّجف إلى جدة بعمامته البيضاء، ما يخمد جمرة الطَّائفية، وقد احتل منزلةً علميةً بجامعة الملك عبد العزيز، كتلك التي احتلها ابن الكوفة محمد مهدي المخزومي (ت 1993) بجامعة الملك سعود بالرِّياض، ومازالت صورته معلقة على واجهة قسم اللغة العربية فيها، وقد وقفت تحتها. إن في حياة الفضلي درساً عميقاً لمَن يتولى الشَّان الدِّيني، مغزاه: في الدِّين على مختلف مذاهبه فسحة، لا يضيق بها البشر، أليس الكتاب الكريم يقول: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ”(هود 118). ولنَّا التَّذكير بما قاله صالح الجعفري (ت 1979)، في ظرف حالك كظرفنا هذا(شعراء الغري): لا دَخل للسِّان كلا ولا يَلزمُ أنَ نُوحدَ المذهبا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رشيد الخيّون، مجلة المجلة 12 أبريل 2013م

اترك تعليقاً