[كتاب] نحو الأدب الإسلامي، لعبد الهادي الفضلي(*)



    توصلَّت من صديق عراقي بكتيِّب جديد هو العدد الخامس الذي صدر ضمن سلسة: (من هدى النجف) في موضوع الدَّعوة: (إلى نحو أدب إسلامي) للأستاذ عبد الهادي الفضلي. والكتاب الجديد من الحجم الصغير يقع في حوالي ستِّين صفحة تتناول الموضوعات التالية: الأدب الإسلامي في الدَّعوة الأولى، والأدب الإسلامي اليوم، وفنية الأدب الإسلامي ومذهبيته ونماذج من الأدب المعاصر، والصحافة والأدب الإسلامي، والتعليم والأدب الإسلامي وخاتمة البحث القيم الممتع الذي يشير إلى أبعاد مؤلِّفه الذي ينظر إلى المستقبل بمنهجية ووضوح وتطلع. والكتاب بصفة عامة يحمل دعوة علمية هادية رحيبة الأفق، تتَّصل بأدبنا الإسلامي المعاصر وضرورة التخطيط لصياغة (أجهزة تعبير.. تفتح الطريق أمامه إلى الأذهان بأوسع مجال.. وتعرب عما فيه من أصالة في الفكر والفن وما فيه من جمال في الإبداع والعرض)، إذ الفكرة الناضجة لا بدَّ لها من أدب يبسط عليها ظلا من روعة الأداء وينفث سحرًا من رائق التَّعبير لتطير به أجنحة الحروف المشعشعة بالأنداء فتعلق بها الإسماع والأنظار وتنعطف إليها الأرواح والقلوب... والذين يخوضون الصراع في معترك الفكر لابدّ لهم من أداة صالحة البيان... وإلّا كان مثلهم كمثل من ينزل ساحة النّضال بلا عدة للقتال... ونعتقد أنَّ الكاتب ـ وهو ممن شاركوا في الأدب الإسلامي المعاصر واطلعوا على آفاقه ومشكلاته اطِّلاع تخصص ومعاناة ـ قد وفق كل التَّوفيق في الإعداد لهذه الدِّعوة المبصرة بإيضاح خطورة دور الأدب في ترويج العقائد والأفكار إلى جانب دوره في تصوير المشاعر والأحاسيس.. واستعراض ما استطاع الأدب الإسلامي في عصر الدِّعوة الأوَّل أن يفعله في التَّمهيد لها، وشق الطَّريق أمامها لتستقر في قلوب وأذهان أبنائها الأوائل. ثم في تحليله لعناصر الأدب الإسلامي وشروطه ومقوماته. ونقده لواقع بعض مؤسساته المعاصرة. وأخيرًا في انتقائه لنماذج عصرية من هذا الأدب الإسلامي لبعض من يمثلونه اليوم. وكما يرى الأستاذ الفضلي فإنَّ الأدب الإسلامي اليوم كما عاش الإسلام في أيامه الأولى صراعًا مع الشرك يعيش اليوم صراعه مع الإلحاد. وكما عاش بالأمس صراعه مع الأعراف الموضوعة، يعيش اليوم صراعه مع القوانين الموضوعة. وكما ناقض ونازل الأدب الإسلامي الأوَّل شعر المشركين الأوائل، يناقض وينازل اليوم أدب الإلحاد ودعواته المختلفة. فالإسلام الذي قارع الجاهلية في جزيرة العرب وفي دولتي الفرس والروم في تاريخه القديم، يقارع الجاهلية في بلاد العرب أيضا. وفي دعوتي الشرق والغرب، في تاريخه الحديث، والجاهلية إذا اتخذت في تاريخها الأوَّل من الأدب وسيلة دعاية ودعوة، وتعود اليوم فتتخذ منه أيضًا وسيلة دعاية ودعوة، فالقصيدة والمقالة والمسرحية والقصة والخطابة والنقد وأمثالها، أجهزة يرسلها الأدب الجاهلي الراهن. والأدب إذ يتغلغل في أعماق الذهن ليزرع الفكرة، وفي أغوار النفس ليخلق العاطفة، وفي محيط الأمة ليوجه السلوك، يقوم بالدَّور المهم. ومن هنا كان معترك الصراع بين الإسلام والإلحاد ومن هنا كان علينا أن نوفِّر تعليم القرآن، لمقارع الكلمة بالكلمة، والفكرة بالفكرة، والعاطفة بالعاطفة، وأخيرًا السلوك بالسلوك. ومن هنا عاد الأدب الإسلامي اليوم ضرورة لا بدّ منها، الأدب الإسلامي الذي يرتفع بمستوى المسؤولية، والذي يحمل هم الفكرة وعبء الدَّعوة إلى الله تعالى. فعلينا ـ أفرادا وجماعات ومعاهد ـ أن نقدِّر مدى مسؤوليتنا الاجتماعية في بعثّ وتوفير الأدب الإسلامي واستثماره من أجل الدعوة إلى الله تعالى. إنَّنا محاسبون أمام الله تعالى، وأمام التاريخ، وأمام الأجيال، لنُزيل العقبات المنافقة من الطريق، لنعر النفوس المريضة المغلقة. واعتبارًا للتَّخطيط الهادف نحو الأدب الإسلامي ولأهميته من جهة، وللأسلوب العلمي الدَّقيق الذي تناول به المؤلف موضوعه هذا حيث أنَّه يتناول جانبا آخر من هذا الموضوع وهو فنية الأدب الإسلامي، فيرى أنَّ هذا الأدب تتمثل فيه روح الإسلام فكرة وعاطفة فيجئ ذا طابع إسلامي متميز، يختلف بخصائصه عن الآداب الأخرى. وقبل أن يفرد المؤلِّف الأدب الإسلامي بالحديث الخاص ينطلق في تقسيم الآداب أوَّلًا فيحدِّد، ويعيِّن مركز الإسلامي منها ويرى أن: من البديهي انقسام الآداب إلى: مبدئية وغير مبدئية أو ملتزمة وغير ملتزمة، كما يطلق عليها أيضًا. وأعني بالمبدئي: تلك الآداب التي عادت وسائل دعاية ودعوة، لمبدأ معيَّن، أو فكرة معيَّنة. وفي ضوء تعريفها نتبيَّن معنى الآداب غير المبدئية: وهي التي تأتي غاية، لا وسيلة ولمجرد وجودها، أو وفق النَّظرية التي يعبّر عنها بنظرية (الفن للفن) أو الأدب للأدب. والآداب المبدئية تنقسم في ضوء تقسيم القرآن الكريم للإنسان على أساس عقيدته إلى مؤمن ومنافق وكافر إلى:
  1. أدب إسلامي، وهو الذي يقوم به المسلمون المؤمنون بمسؤولية الدَّعوة إلى الإسلام، ومسؤولية مكافحة سواه من مبادئ.
  2. وأدب كافر، وهو الذي يقوله الكافرون المبدئيون يتوسلون به إلى الدَّعوة لمبادئهم وأفكارهم.
  3. وأدب نفعي: وهو الذي يقوله المسلمون الانتهازيون والنَّفعيون الذين عبَّر عنهم القرآن بالمنافقين.
ويأتي الأدب الإسلامي في عناصره:
  1. أفكارا إسلامية، نابعة من ذهنية إسلامية، المؤثر، والنغمة الموسيقية الجميلة.
  2. وعواطف إسلامية، أملاها الرضا لله تعالى والغضب له سبحانه.
  3. وتعبيرًا جليا يختار اللفظة ذات الإيقاع المؤثر، والنغمة الموسيقة الجميلة. - يمثل جانب الحضارة الإسلامية فكرًا وأسلوبًا.
  • وينطلق وسيلة توعية وخلق، في إطار إبداع فني جميل، أو في هالة عرض واضح مشرقة.
ويتنوع فيما يرى المؤلف إلى:
  1. أدب دعائي يوضح الفكرة الإسلامية ويبشر بها، ويحملها إلى غير الواعين من أبناء الأمة، وإلى الآخرين الذين لا يملكون من رصيدها ما يجعلها في مكانتها التي أراها القرآن الكريم لها.
  2. أدب نقدي، يعرِّي الأفكار الدخيلة والمستوردة ويكشف عن سمومها وأوضارها.. يكشف عن عوار اليمين واليسار، ويكشف عن الرجعية إلى الجاهلية، وإلى الإلحاد.
إن أدبًا إسلاميًا كهذا هو الوسيلة، وهو أيضا الذي يرتفع ومستوى مسؤولية الأديب المسلم اليوم. مذهبية الأدب المنشود ويمكن أن نحدِّد من هذا المنطلق مذهبية الأدب الإسلامي التي تنطلق من مذهب إسلامي مستقلا بين المذاهب الأدبية الأخرى. ولأجل أن أوضح المقصود من هذه (المذهبية)، نأخذ بعض الأمثلة:
  • فالماركسية لأنَّها دعوة إلى مبدأ معين تذرعت بالأدب وسيلة نشر، وواسطة تبشير، كانت مذهبًا أدبيًا.
  • والوجودية لأنَّها دعوة إلى فكرة معينة توسَّلت بالأدب ذريعة بث وإذاعة، كانت مذهبًا أدبيًا.
  • والإسلامية لأنَّها دعوة إلى مبدأ معين أيضًا خطَّت من الأدب طريق هداية إلى الله، وطريق عمل في سبيل الدَّعوة إليه، كانت مذهبًا أدبيًا.
وليست المذهبية في الآداب المبدئية إلّا هذه، لأنَّ الأدب لم يعد غاية، لينظر من جانب الفنية القائمة فيه. واعتداده وسيلة كان هو الملحظ في تحديد وتقييم المذهبية فيه، وهذا لا يعني أنَّه لا يلتقي ومذهبًا آخر من المذاهب الأدبية الفنية، التي جاءت نتيجة مقياس العصور أو مقياس الفن فكانت الكلاسيكية والرومانتيكية، كانت الصنعة والتصنع..والخ، وكما كان لنا أن ندرس شعر الدَّعوة الإسلامية من خلال الدَّعوة؛ لأنَّها المبدأ الذي اختط هذا الشعر طريقه.. وندرس الدَّعوة الإسلامية من خلال الشعر لأنه حافل بوجوه كثيرة منها. وكما كان لنا أن ندرس الأدب الماركسي، ونسمّيه ماركسيًا لأنَّه انطبع بطابع الدَّعوة الماركسية ومفاهيمها وهكذا، كان لنا أن ندرس الأدب الإسلامي المعاصر ونسمّيه إسلاميًا، لتمثل الرّوح الإسلامية فيه. وهذا ما تعينه (المذهبية) فيما أذهب إليه من هذا العرض السَّريع من غير مناقشة.. وذلك ما نتمنى أن نعود إليه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (*) مجلة دعوة الحق (الصادرة عن وزارة الأوقاف الكويتية)، العددان 179-180

اترك تعليقاً